الغزالي

229

إحياء علوم الدين

وأما الماء الجاري إذا تغير بالنجاسة فالجرية المتغيرة نجسة دون ما فوقها وما تحتها ، لأن جريان الماء متفاصلات . وكذا النجاسة الجارية إذا جرت بمجرى الماء فالنجس موقعها من الماء ، وما عن يمينها وشمالها إذا تقاصر عن قلتين ، وإن كان جرى الماء أقوى من جرى النجاسة فما فوق النجاسة طاهر ، وما سفل عنها فنجس وإن تباعد وكثر ، إلا إذا اجتمع في حوض قدر قلتين ، وإذا اجتمع قلتان من ماء نجس طهر ولا يعود نجسا بالتفريق . هذا هو مذهب الشافعي رضي الله عنه وكنت أودّ أن يكون مذهبه كمذهب مالك رضي الله عنه ، في أن الماء وإن قل لا ينجس إلا بالتغير ، إذ الحاجة ماسّة إليه ، ومثار الوسواس اشتراط القلتين ، ولأجله شق على الناس ذلك . وهو لعمري سبب المشقة ، ويعرفه من يجربه ويتأمله ومما لا أشك فيه أن ذلك لو كان مشروطا لكان أولى المواضع بتعسر الطهارة مكة والمدينة ، إذ لا يكثر فيهما المياه الجارية ولا الراكدة الكثيرة . ومن أول عصر رسول الله صلَّى الله عليه وسلم إلى آخر عصر أصحابه لم تنقل واقعة في الطهارة ، ولا سؤال عن كيفية حفظ الماء عن النجاسات ، وكانت أواني مياههم يتعاطاها الصبيان والإماء الذين لا يحترزون عن النجاسات . وقد توضأ عمر رضي الله عنه بماء في جرة نصرانية . وهذا كالصريح في أنه لم يعول إلا على عدم تغير الماء ، وإلا فنجاسة النصرانية وإنائها غالبة تعلم بظن قريب ، فإذا عسر القيام بهذا المذهب وعدم وقوع السؤال في تلك الاعصار دليل أول ، وفعل عمر رضي الله عنه دليل ثان والدليل الثالث [ 1 ] « إصغاء رسول الله صلَّى الله عليه وسلم الإناء للهرّة » وعدم تغطية الأواني منها بعد أن يرى أنها تأكل الفأرة ، ولم يكن في بلادهم حياض تلغ السنانير فيها وكانت لا تنزل الآبار . والرابع : أن الشافعي رضي الله عنه نص على أن غسالة النجاسة طاهرة إذا لم تتغير ونجسة إن تغيرت . وأي فرق بين أن يلاقى الماء النجاسة بالورود عليها أو بورودها عليه ؟ وأي معنى لقول القائل : إن قوّة الورود تدفع النجاسة مع أن الورود لم يمنع مخالطة النجاسة ،